محمد ابو زهره
840
خاتم النبيين ( ص )
أين مسيركم ؟ فقلنا وما أخرجك ؟ فقال وما أخرجكم ؟ قلنا الدخول في الإسلام ، واتباع محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، قال وذلك الذي أقدمنى ، فاصطحبنا جميعا حتى دخلنا المدينة المنورة ، فأنخنا بظهر الحرة ركابنا فأخبر بنا رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم فسربنا فلبست من صالح ثيابي ، ثم عمدت إلى رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، فلقيني أخي فقال : أسرع فإن رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم قد أخبر بك فسر لقدومك ، وهو ينتظركم ، فأسرعنا المشي ، فاطلعت عليه ، فما زال يبتسم لي حتى وقفت عليه ، فسلمت عليه بالنبوة ، فرد على السلام بوجه طلق ، فقلت إني أشهد أن لا اله إلا اللّه ، وأنك رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليك وسلم ، فقال تعال ، ثم قال رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم : « الحمد للّه الذي هداك ، قد كنت أرى لك عقلا ، ورجوت ألا يسلمك إلا إلى خير » قلت يا رسول اللّه ، إني قد رأيت ما كنت أشهد من تلك المواطن عليك مما أبرأ منه فادع اللّه أن يغفر لي ذلك ، فقال رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم : « الإسلام يجب ما كان قبله » ، قلت يا رسول اللّه على ذلك فقال صلى اللّه تعالى عليه وسلم « اللهم اغفر لخالد بن الوليد ، كل ما أوضع فيه من صد عن اللّه ورسوله » . هذا ما نقله الواقدي بالرواية عن إسلام خالد بن الوليد . وذكرناه بطوله ، لأنه حكاية نفسه ، وبيان خواطره ، وبيان ما وجهه إلى الإسلام توجيها نفسيا ، أهو الاعتقاد الجازم الذي ينبعث من النفس ، أم هو المصلحة ، ولا يمنع أن يكون الباعث هو المصلحة ، ثم يشرب قلبه حب الإيمان ، ويكون من الصادقين في إيمانهم ، ثم يكون من بعد ذلك من المحاربين في الإسلام ، وربما يكون من المجاهدين ، إن صح التعبير . كان خالد ممن لم يدخلوا مكة المكرمة من قريش غيظا من الإسلام وأهله وكراهية - عندما دخل النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم مكة المكرمة معتمرا حاجا . فدل هذا على النفرة الشديدة من الإسلام وأهله ، ولكنه جاء بعد ذلك وأراد أن يكون مع المسلمين ، ولم يكن كعمر الفاروق الذي كان ألبا على المسلمين ثم رق قلبه للإسلام وقذف اللّه في قلبه بنوره ، فكان قوة في الإسلام ، وفارقا بين الضعف والاختفاء ، والقوة والاستعلان ، في وقت ضنت فيه الألسنة عن الحق ، والقلوب عن الإيمان ، ولا كحمزة أسد اللّه ، فإنه لم يقف قط ضد الإسلام ، وأسلم ابتداء حمية لابن أخيه ، ثم صار بطل الجهاد ، لا بطل الحرب ، فقد يكون بطل الحرب غير مجاهد ، وقد يكون بطل الجهاد لم تعرف له في الحرب مكيدة ، كبلال وعمار ، وغيرهما من المؤمنين الأولين الذين كانوا اللبنة الأولى في بناء الإسلام ، وعلى بلائهم وأذاهم قام الإسلام .